تمثل ميزانية الدفاع الأمريكية أحد أهم المؤشرات على توجهات السياسة الخارجية لواشنطن، فهي لا تعكس فقط حجم الإنفاق العسكري، بل تكشف أيضًا عن أولويات الإدارة في التعامل مع مناطق الصراع حول العالم. وتأتي سوريا في قلب هذه الأولويات، باعتبارها ساحة معقدة تتداخل فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية، بين الدعم المعلن لقوى محلية، والتهديد المستمر باستخدام القوة.
جميع هذه النقاط ترونها في حوار مميز يجمع كل من
|عصام خوري – صحفي ومحلل سياسي
د.غازي فيصل -مدير المركز العراقي للدراسات
أولًا: أبعاد الدعم الأمريكي في سوريا
- قوات سوريا الديمقراطية (قسد): أبرز المستفيدين من التمويل الأمريكي، خصوصًا في مجال مكافحة تنظيم داعش. حيث تركز واشنطن على إبقاء قسد قوة فاعلة لضمان عدم عودة التنظيم، ولتشكيل توازن مع النظام السوري.
- المساعدات الإنسانية واللوجستية: رغم الطابع العسكري للميزانية، إلا أن جزءًا منها يذهب بشكل غير مباشر لدعم مشاريع إنسانية عبر وزارة الدفاع والوكالات المرتبطة بها، لضمان استقرار المجتمعات المحلية في شمال وشرق سوريا.
- التدريب والتسليح: برامج تدريب محدودة تستهدف وحدات محلية تعتبرها واشنطن “موثوقة”، ما يوضح رغبتها في بناء شريك محلي يمكن الاعتماد عليه مستقبلًا.
ثانيًا: التهديد والردع
- النظام السوري وحلفاؤه: تتعامل واشنطن مع دمشق وحلفائها – إيران وروسيا – باعتبارهم تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. الميزانية تتيح استمرارية عمليات الرصد الجوي والاستهداف المحدود عند الضرورة.
- إيران: جزء من الإنفاق موجه لمواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، عبر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في التنف ومحيط حقول النفط.
- إسرائيل كعامل مؤثر: واشنطن تراعي أمن إسرائيل في خططها الدفاعية، وهو ما يفسر تغطية ميزانية الدفاع الأمريكية لدعم أنظمة الدفاع الجوي والتعاون الاستخباراتي المرتبط بالوجود الإيراني في سوريا.
ثالثًا: التناقض بين الدعم والتهديد
المفارقة الكبرى أن الميزانية الأمريكية تحمل في طياتها وجهين متناقضين:
- من جهة، دعم أطراف سورية محلية كقسد للحفاظ على الاستقرار النسبي.
- ومن جهة أخرى، استخدام هذه المخصصات كأداة ضغط وتهديد ضد دمشق وحلفائها الإقليميين، ما يجعل السياسة الأمريكية متأرجحة بين تعزيز الشركاء المحليين، وإبقاء حالة التوتر العسكري قائمة.
رابعًا: الانعكاسات على الداخل السوري
- استمرار الميزانية بهذا الشكل يكرّس حالة اللااستقرار، إذ لا تدفع نحو حل سياسي شامل.
- القوى المحلية المستفيدة من الدعم الأمريكي ستظل في حالة تبعية، مما يعمق الانقسامات.
- التهديد المستمر للنظام وحلفائه يمنعهم من توسيع السيطرة، لكنه لا يفضي بالضرورة إلى تغيير في سلوكهم.
تكشف ميزانية الدفاع الأمريكية أن سوريا ستبقى ساحة مفتوحة بين الدعم والتهديد. فهي ليست أولوية قصوى للولايات المتحدة، لكنها تمثل ورقة ضغط استراتيجية ضمن صراعها الأوسع مع روسيا وإيران. وفي ظل غياب توافق دولي حول مستقبل سوريا، ستبقى الموازنة العسكرية الأمريكية أداة لإدارة الأزمة لا لحلها.
