خطوة صغيرة لإعادة بناء الخيال السوري بعد الحرب
في بلدٍ خرج من حرب أهلية طويلة تركت آثارها العميقة على الإنسان والعمران والاقتصاد والمؤسسات، تبدو مشاريع الفن والثقافة أحياناً كأنها ترف مؤجل. لكن التجربة السورية أثبتت أن إعادة بناء المجتمع لا تبدأ فقط من الإسمنت والكهرباء والخبز، بل أيضاً من استعادة القدرة على التعبير، والحوار، والضحك، والمسرح، والموسيقى، والخيال.
من هذا المنطلق يأتي مشروع مركز ورشة البستان للفنون، الذي تعمل عليه مؤسسة البستان في دمشق، وهي منظمة غير ربحية تأسست في سوريا على يد الفنان السوري المعروف فارس الحلو. يهدف المشروع إلى إنشاء فضاء فني احترافي في العاصمة دمشق، يضم مسرحاً ومدرجاً في الهواء الطلق، ويكون مساحة للتدريب، والعروض، وورش العمل، والتفاعل الثقافي بين الفنانين والجمهور.
بحسب ملف التوثيق المالي والفني، فإن المشروع انتقل من كونه فكرة ثقافية إلى ملف تقني قابل للتقييم والتمويل، بعد إعداد الدراسات والمخططات الأولية الخاصة بالمسرح والمدرج، وهي مرحلة اعتبرتها مؤسسة البستان شرطاً ضرورياً للانتقال لاحقاً إلى مرحلة التمويل والتنفيذ. وقد شملت هذه المرحلة إعداد المخططات الهندسية، تصور توزيع المساحات، تصميم مناطق الجلوس والحركة والخشبة، إضافة إلى دراسة تقديرية لكلفة البناء والبنية التحتية.

وقد ساهم مركز التنمية البيئية والاجتماعية CESD في دعم هذه المرحلة التأسيسية عبر تمويل إعداد المخططات والدراسات الأولية، بما يساعد المشروع على تقديم نفسه بصورة مهنية أمام المانحين والشركاء المحتملين. وتكمن أهمية هذا الدعم في أنه لا يذهب إلى نشاط عابر أو حدث مؤقت، بل إلى بناء أساس هندسي ومالي لمشروع ثقافي طويل الأمد.
ماذا تم إنجازه حتى الآن؟
توضح الوثائق أن المرحلة الأولى من المشروع ركزت على إعداد الملف الفني والمالي، وليس على التنفيذ الإنشائي بعد. وقد بلغت كلفة هذه المرحلة 2,500 دولار أمريكي، توزعت على بندين رئيسيين:
الأول: 1,500 دولار لصالح جهة هندسية مستقلة، مقابل إعداد ورسم المخططات الهندسية الأولية لمركز ورشة البستان للفنون.
الثاني: 1,000 دولار ، مقابل إعداد دراسة تقدير تكلفة بناء المسرح والمدرج وفق المخطط الهندسي المعتمد.
وتشير الوثائق إلى أن هذه النفقات خُصصت لإعداد المخططات الهندسية الأولية، وتصميم توزيع المساحات، وتقديم تصور معماري قابل للتنفيذ، إضافة إلى دراسة كلفة البناء وتحليل الأعمال الإنشائية والبنية التحتية. كما يوضح التقرير أن الهدف كان تحويل الفكرة من مرحلة تصورية إلى ملف تقني يمكن تقييمه من قبل المانحين.
طبيعة المشروع ومكوناته
لا يقدم المشروع نفسه كمسرح تقليدي فقط، بل كمساحة فنية متعددة الاستخدامات. تظهر المخططات المرفقة وجود تصور لمسرح أو مدرج مفتوح، ومساحات مرافقة يمكن استخدامها للتدريب، والورش، والأنشطة الفنية، والخدمات التقنية. كما يظهر في المخطط التنفيذي وجود توزيع واضح لمنطقة المدرج، الخشبة، المسارات، وبعض المساحات الخدمية والمحيطة بالموقع.
ويشير المخطط الطبوغرافي والتنفيذي المؤرخ في 24 آذار/مارس 2026 إلى أن الموقع يقع في منطقة العدوي في دمشق، وأن هناك عملاً هندسياً أولياً لتحديد المناسيب، الجدران، المدرج، مناطق الحركة، والمساحات المرتبطة بالبناء القائم والمسرح الخارجي.
هذا يعني أن المشروع لم يعد مجرد رغبة ثقافية عامة، بل أصبح يمتلك تصوراً هندسياً يمكن البناء عليه، وتقديراً أولياً للكلفة، وملفاً يمكن تقديمه للمانحين باعتباره مشروعاً قابلاً للتنفيذ.
لماذا هذا المشروع مهم الآن؟
تكمن أهمية مشروع مركز ورشة البستان للفنون في توقيته وسياقه. فبعد سنوات الحرب، تتركز معظم النقاشات حول سوريا على الأمن، الإغاثة، الغذاء، الطاقة، العقوبات، والعودة الطوعية للاجئين. وهي ملفات أساسية بلا شك. لكن غياب الثقافة والفنون عن أولويات التعافي يخلق فراغاً خطيراً؛ لأن المجتمعات التي خرجت من العنف تحتاج إلى مساحات آمنة للتعبير، لا إلى إعادة إعمار مادي فقط.
الفن في هذه الحالة ليس ترفاً. المسرح تحديداً يمكن أن يكون مساحة للمصالحة الاجتماعية، وكشف الذاكرة، ومعالجة الخوف، وتدريب جيل جديد على الحوار بدلاً من العنف. وفي بلد عانى من الانقسام، الرقابة، القمع، والنزوح، تصبح الخشبة مكاناً رمزياً لاستعادة الصوت الفردي والجماعي.
كما أن دعم مشروع كهذا في دمشق يرسل إشارة مهمة: أن التنمية المستدامة لا تعني فقط المدارس والطرقات والمياه، بل تشمل أيضاً الحق في الثقافة، والحق في الإبداع، والحق في بناء فضاءات عامة تسمح للناس بأن يلتقوا خارج منطق الحرب والسياسة والاستقطاب.
دور مركز التنمية البيئية والاجتماعية
تأتي مساهمة مركز التنمية البيئية والاجتماعية CESD في هذا المشروع ضمن فهم أوسع للتنمية. فالتنمية ليست عملية تقنية فقط، بل هي أيضاً عملية اجتماعية وثقافية. دعم إعداد المخططات والدراسات الأولية لمشروع البستان ساعد على نقل المبادرة من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التخطيط المهني، وهو أمر حاسم لأي مشروع يسعى للحصول على تمويل لاحق.
في بيئة سورية تعاني من ضعف التمويل، تراجع البنية المؤسسية، وهشاشة مشاريع التنمية المستدامة، يمكن لمبلغ محدود نسبياً أن يؤدي دوراً كبيراً إذا استُخدم في المكان الصحيح. فالـ 2,500 دولار التي موّلت الدراسات الأولية لم تكن مجرد مصروف إداري، بل كانت استثماراً في قابلية المشروع للحياة: مخططات، تقدير كلفة، تصور معماري، وملف أولي يمكن البناء عليه.
إمكانيات المشروع المستقبلية
إذا حصل المشروع على التمويل المطلوب، يمكن لمركز ورشة البستان للفنون أن يتحول إلى منصة ثقافية متعددة الوظائف:
يمكن أن يستضيف عروضاً مسرحية وموسيقية في الهواء الطلق، ويقدم ورش تدريب للشباب، ويفتح المجال أمام الفنانين السوريين لإنتاج أعمال جديدة داخل سوريا بدلاً من الاكتفاء بالمنفى أو المبادرات الفردية المتفرقة. كما يمكن أن يتحول إلى مساحة لقاء بين فنانين مخضرمين وجيل جديد يبحث عن أدوات تعبير مختلفة بعد الحرب.
وإذا أُدير المشروع بصورة مهنية، فقد يصبح نموذجاً لمفهوم جديد في التعافي السوري: تعافٍ لا يختزل الإنسان في حاجاته المادية، بل يعترف بحاجته إلى الجمال، والكرامة، والذاكرة، والخيال.
مشروع مركز ورشة البستان للفنون ليس مجرد مشروع مسرح في دمشق. إنه محاولة لإعادة فتح مساحة للثقافة في بلد أغلقتها الحرب لسنوات. وهو أيضاً اختبار لقدرة المجتمع المدني السوري وشركائه على التفكير في التنمية المستدامة بمعناها الواسع: تنمية تبني الإنسان كما تبني الحجر. لقد أنجزت مؤسسة البستان، بدعم من شركائها، مرحلة أساسية من التحضير الفني والمالي. وما يحتاجه المشروع الآن هو الانتقال من الورق والمخططات إلى التنفيذ. في سوريا الخارجة من الحرب، قد يبدو بناء مسرح عملاً صغيراً أمام حجم الدمار، لكنه في الحقيقة يحمل معنى كبيراً: أن السوريين لا يحتاجون فقط إلى إعادة بناء المدن، بل إلى إعادة بناء الحياة داخل هذه المدن.
