نيويورك – UN
ألقى الصحفي والباحث عصام خوري، منسق مركز التنمية البيئية والاجتماعية، كلمة نيابة عن عدد من منظمات المجتمع المدني العراقية، بناءً على طلب من منظمة النجدة الشعبية – Public Aid Organisation، خلال أعمال الجزء رفيع المستوى للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة والمنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة لعام 2026 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
وجاءت الكلمة ضمن مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد تحت عنوان: «إجراءات تحويلية ومنصفة ومبتكرة ومنسقة لتنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها من أجل مستقبل مستدام للجميع». وركز المنتدى هذا العام على خمسة أهداف أساسية هي: المياه النظيفة والصرف الصحي، والطاقة النظيفة والميسورة، والصناعة والابتكار والبنية التحتية، والمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والشراكات من أجل تحقيق الأهداف.

وتظهر مداخلة خوري في التسجيل الرسمي للجلسة المنشور عبر منصة الأمم المتحدة للبث المرئي، ضمن الاجتماع الذي تناول دور المبادرات المحلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، قبل اعتماد الإعلان الوزاري واختتام الجزء رفيع المستوى للمجلس الاقتصادي والاجتماعي.
الهدف السابع عشر بوابة لتنفيذ بقية الأهداف
انطلقت الكلمة من فكرة محورية مفادها أن الهدف السابع عشر المتعلق بعقد الشراكات لتحقيق الأهداف ليس هدفًا تكميليًا يأتي في نهاية قائمة أهداف التنمية المستدامة، بل هو الأداة التي تتيح تنفيذ بقية الأهداف.
وأوضح خوري أن الأزمات التي يواجهها العراق في مجالات المياه والكهرباء والطاقة والتصحر والبنية التحتية لا تستطيع جهة واحدة معالجتها، سواء كانت الحكومة أو الأمم المتحدة أو القطاع الخاص أو منظمات المجتمع المدني. ولذلك، فإن الاستجابة الفعالة تقتضي بناء شراكة وطنية ودولية تجمع هذه الأطراف ضمن آليات واضحة ودائمة، بدلًا من الاكتفاء بمشروعات متفرقة أو قصيرة الأجل.
وربطت الكلمة بين الهدف السابع عشر والأهداف الأخرى التي خضعت للمراجعة في المنتدى، مؤكدة أن أزمة المياه لا تتعلق بالهدف السادس وحده، بل تنعكس على الأمن الغذائي والصحة والتعليم والنزوح من المناطق الزراعية إلى المدن. كما أن أزمة الكهرباء والطاقة ترتبط بالصناعة وفرص العمل والبنية التحتية والتنمية الحضرية والاستجابة لتغير المناخ.
المياه في العراق: أزمة تنموية وليست بيئية فقط
تناولت الكلمة بصورة خاصة تراجع تدفقات الأنهار، وانخفاض معدلات هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وتملح التربة والمياه، وما ينتج عن ذلك من تهديد للزراعة وسبل عيش السكان في المناطق الريفية.
وأشارت إلى بيانات تفيد بأن قرابة ثلاثة من كل خمسة أطفال في العراق لا يحصلون على خدمات مياه شرب مدارة بصورة مأمونة، وأن أقل من نصف المدارس تتوافر فيها خدمات المياه الأساسية. كما وضعت تقارير أممية العراق ضمن البلدان الأشد تعرضًا لتأثيرات تغير المناخ.
وأكدت المداخلة أن شح المياه لم يعد مسألة فنية تخص وزارات الري أو البيئة وحدها، بل بات عاملًا مؤثرًا في الصحة العامة والتعليم والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، كما يسهم في دفع السكان من المناطق الزراعية المتضررة إلى المدن، ويزيد الضغط على الخدمات العامة والإسكان والبنية التحتية.
ومن هذا المنطلق، طالبت الكلمة بتعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الموارد المائية المشتركة، على أساس الحوار والقانون الدولي والمصالح المتبادلة، باعتبار أن الأنهار والتصحر والتغير المناخي لا تتوقف آثارها عند الحدود الوطنية.
مفارقة الطاقة والكهرباء وحرق الغاز
وفي مجال الطاقة، سلطت الكلمة الضوء على المفارقة التي يعيشها العراق؛ فهو يمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز وإمكانات واسعة لإنتاج الطاقة الشمسية، لكنه لا يزال يعاني من انقطاعات متكررة في الكهرباء، خصوصًا خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعًا شديدًا في درجات الحرارة.
واستندت المداخلة إلى تقييمات تشير إلى أن الطلب على الكهرباء في أوقات الذروة قد يتجاوز 34 غيغاواط، في حين تبقى القدرة الفعلية المتاحة عاجزة عن تلبية نسبة كبيرة من هذا الطلب. وفي الوقت ذاته، لا تزال مساهمة مصادر الطاقة المتجددة محدودة للغاية مقارنة بالإمكانات الشمسية التي يمتلكها العراق.
كما أشارت الكلمة إلى استمرار حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط، موضحة أن هذه الممارسة لا تؤدي فقط إلى زيادة الانبعاثات وتلوث الهواء، بل تمثل إهدارًا لمورد يمكن استخدامه في توليد الكهرباء وتشغيل المصانع وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على استيراد الوقود.
ودعت إلى استثمارات طويلة الأجل لا تقتصر على بناء محطات كهرباء جديدة، بل تشمل تحديث شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد، وتطوير أنظمة تخزين الطاقة، والتوسع في الطاقة الشمسية، والاستفادة من الغاز المحروق، وربط إصلاح قطاع الطاقة بتنويع الاقتصاد العراقي وتوفير فرص العمل للشباب.
المجتمع المدني شريك وليس بديلًا عن الدولة
أكد خوري في كلمته أن المجتمع المدني العراقي لا يسعى إلى الحلول محل الدولة أو مؤسساتها، وإنما يطالب بأن يُعامل بوصفه شريكًا مسؤولًا ومستقلًا يستطيع الوصول إلى المجتمعات المحلية، ورصد الاحتياجات، وتوفير المعرفة، وتعزيز المساءلة، وبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
وتضمنت المداخلة مجموعة من المقترحات المستندة إلى المبادئ التي عملت عليها المنظمات العراقية ضمن ميثاق البصرة، وفي مقدمتها:
إشراك منظمات المجتمع المدني بصورة مؤسسية ومنتظمة في إعداد السياسات والخطط والتقارير الوطنية المتعلقة بأهداف التنمية المستدامة، وإنشاء آلية دائمة للتنسيق تجمع الحكومة العراقية والأمم المتحدة والقطاع الخاص والجامعات والنقابات والمنظمات غير الحكومية.
كما دعت إلى نشر بيانات عامة ومحدثة وقابلة للتحقق بشأن المياه والكهرباء والانبعاثات والتصحر والإنفاق التنموي، وتطوير آليات تمويل مباشرة ومرنة تتيح للمنظمات المحلية والصغيرة والشبابية تنفيذ مشروعات مرتبطة بالتوعية البيئية، وترشيد المياه، والطاقة الشمسية المجتمعية، ودعم السكان المتضررين من الجفاف والنزوح المناخي.
وطالبت أيضًا بدعم نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية في مجالات معالجة المياه، والطاقة المتجددة، والزراعة الذكية مناخيًا، والإنذار المبكر، والتحول الرقمي والحوكمة الرشيدة.
الإعلان الوزاري: التزامات دولية تتجاوز العبارات العامة
تزامنت الكلمة العراقية مع اعتماد المنتدى السياسي رفيع المستوى إعلانه الوزاري لعام 2026، الذي جدد التزام الدول بخطة التنمية المستدامة لعام 2030، ودعا إلى التحرك العاجل لتسريع تحقيق أهدافها خلال السنوات الأربع المتبقية حتى عام 2030. واعتمد الإعلان بعد مفاوضات بين الدول الأعضاء، بوصفه الوثيقة الختامية للمنتدى والجزء رفيع المستوى للمجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يمثل الإعلان الوزاري قانونًا دوليًا ملزمًا، لكنه يشكل مرجعية سياسية متفاوضًا عليها، تحدد الأولويات التي توافق الوزراء والممثلون الحكوميون على دفعها داخل السياسات الوطنية والتعاون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة.
وفي مجال الهدف السادس الخاص بالمياه والصرف الصحي، شدد الإعلان على توسيع الوصول العادل والميسور إلى مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي والنظافة، وتعزيز الإدارة المتكاملة للموارد المائية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ والكوارث. كما دعا إلى رفع كفاءة استخدام المياه، وزيادة التمويل والاستثمار، وحماية الأنظمة البيئية المرتبطة بالمياه، وتطوير شبكات الرصد والبيانات والإنذار المبكر، والحد من تلوث المياه وتصريف مياه الصرف غير المعالجة.
أما في الهدف السابع المتعلق بالطاقة النظيفة والميسورة، فقد أكد الإعلان ضرورة تحقيق وصول شامل إلى طاقة حديثة وموثوقة ومستدامة، وتوسيع وتحديث شبكات الكهرباء، وزيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة، وتطوير التكنولوجيا ونقلها وبناء القدرات، ومساعدة الدول النامية على جذب التمويل والاستثمارات اللازمة للتحول في قطاع الطاقة.
وفيما يتعلق بـ الهدف التاسع الخاص بالصناعة والابتكار والبنية التحتية، دعا الإعلان إلى تطوير سياسات صناعية قادرة على التكيف، وربط التمويل بالتحول الهيكلي للاقتصادات، وتنمية المهارات، وبناء سلاسل قيمة أكثر استدامة، وتعزيز قدرة الدول النامية على إضافة قيمة إلى مواردها ومنتجاتها بدلًا من تصدير المواد الأولية فقط.
كما ركز الإعلان في إطار الهدف الحادي عشر على بناء مدن ومجتمعات محلية أكثر شمولًا وأمنًا وقدرة على الصمود، مع الاهتمام بالإسكان والخدمات الأساسية والنقل والتخطيط الحضري، وتعزيز دور السلطات المحلية والمجتمعات في تنفيذ أهداف التنمية من القاعدة إلى المستويات الوطنية والدولية.
لكن جوهر الإعلان، كما عكسته الكلمة العراقية، يتمثل في الهدف السابع عشر؛ إذ لا يمكن تمويل شبكات المياه أو تحديث الكهرباء أو بناء مدن قادرة على التكيف مع المناخ من دون شراكات تجمع الحكومات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني.
ويشمل الهدف السابع عشر حشد الموارد المالية، وتسهيل الوصول إلى التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتحسين البيانات والإحصاءات، وتعزيز التجارة والتعاون الدولي، وإنشاء شراكات متعددة الأطراف تضمن ألا تظل أهداف التنمية مجرد التزامات نظرية.
من التعهدات إلى نتائج قابلة للقياس
تتقاطع المداخلة العراقية مع الاتجاه العام للإعلان الوزاري في تأكيد أن السنوات المتبقية حتى عام 2030 تتطلب الانتقال من التعهدات العامة إلى التنفيذ القابل للقياس.
غير أن الكلمة أضافت بعدًا عراقيًا محليًا إلى هذا النقاش؛ فالبلاد لا تعاني نقصًا في الموارد الطبيعية أو البشرية، بقدر ما تعاني ضعف التنسيق، وقصور التخطيط طويل الأجل، ومحدودية مشاركة المجتمع المدني، وصعوبة وصول المنظمات المحلية إلى التمويل والتكنولوجيا والبيانات.
واختتم خوري مداخلته بالتأكيد أن العراق يحتاج إلى شراكات «أكثر عدالة وشفافية واستدامة»، تنتقل من التمويل القصير إلى بناء المؤسسات، ومن التشاور الشكلي إلى المشاركة الحقيقية في صنع القرار. كما وُضع أمام المشاركين بيان مشترك صادر عن عدد من المنظمات العراقية، ركز بصورة خاصة على الهدف السابع عشر باعتباره الإطار الذي يمكن من خلاله الجمع بين الجهود الوطنية والدولية لتحقيق أهداف المياه والطاقة والبنية التحتية والمدن المستدامة ومواجهة تغير المناخ.
الكلمة باللغتين الانكليزية والعربية
