نيويورك – 31 أغسطس 2025
اعداد وتقديم عصام خوري
يشهد المجتمع السوري في السنوات الأخيرة تنامياً خطيراً لظاهرة الاستقطاب السياسي، حيث تتسع الهوة بين مكونات المجتمع، وتتعمّق الخلافات الفكرية والطائفية، حتى باتت تهدد وحدة الأرض السورية ومستقبل العيش المشترك. هذه الظاهرة ليست مجرد تباينات طبيعية في الرأي، بل ترتبط بما يُعرف بـ فقاعات الفكر؛ تلك البيئات المغلقة التي يعيش فيها الأفراد ضمن نطاق محدود من المعلومات، بعيدين عن أي رأي مخالف.
ما هي فقاعات الفكر؟
فقاعات الفكر (Echo Chambers) هي دوائر فكرية ضيقة تُغذّي قناعات الأفراد وتُعزّز انغلاقهم داخل منظومة آراء محددة، في ظل غياب الحوار مع الطرف الآخر. ومع صعود الإعلام الموجّه ومنصات التواصل الاجتماعي، ازدادت قدرة هذه الفقاعات على فرض نفسها على المشهد السوري، بحيث صار لكل طرف روايته الخاصة وأدلته الخاصة، بعيداً عن أي مساحة مشتركة للحوار.
كيف تُغذّي هذه الفقاعات الاستقطاب السوري؟
الاستقطاب السوري اليوم لم يعد خلافاً سياسياً حول برنامج أو رؤية مستقبلية، بل بات أشبه بانقسام وجودي بين جماعات تعيش داخل جزر فكرية منفصلة. هذا الانغلاق يعمّق الانقسامات المذهبية والسياسية، ويفتح الباب أمام مزيد من التشظي الاجتماعي والجغرافي.
إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في أنها تمهّد لتحويل الانقسام الفكري إلى تقسيم واقعي على الأرض، بما ينذر بظهور كيانات متنافرة قد تدفع سوريا إلى مصير الدولة الفاشلة أو المفككة.
تجارب دولية مشابهة
مرّت دول عديدة بظروف استقطاب مشابهة:
- دول نجحت في تجاوز الأزمة عبر بناء مؤسسات قوية وضمان إعلام محايد وإشراك جميع المكونات في العملية السياسية.
- ودول أخرى غرقت في دوامة الانقسام، لتتحول إلى ساحات نفوذ إقليمي ودولي، ما عرقل بناء الدولة وأفشل أي محاولة للاستقرار.
هذه التجارب تؤكد أن نجاح سوريا في تخطي أزمتها مرهون بمدى قدرتها على بناء مسار سياسي جامع، بعيداً عن عقلية الولاءات الضيقة.
مداخل محتملة للحل
- الحوار الوطني: خلق فضاءات حقيقية للنقاش بين مختلف المكونات بعيداً عن خطاب التخوين والكراهية.
- إعلام مستقل: دعم منصات إعلامية مهنية تُقدّم المعلومة من دون تحيز.
- التعليم النقدي: تعزيز ثقافة التفكير النقدي لدى الشباب لمواجهة الانغلاق الفكري.
- العدالة الانتقالية: إطلاق برامج مصالحة وعدالة تُعيد الثقة بين المكونات وتضمن المحاسبة.
مستقبل سوريا: إلى أين؟
يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لسوريا أن تنجو من هذا الانقسام المتفاقم؟
الجواب ليس بسيطاً، لكنه يعتمد على مدى استعداد السوريين لتجاوز فقاعاتهم الفكرية، والقدرة على خلق مشروع وطني جامع يحظى بدعم داخلي وخارجي.
استمرار الانغلاق سيقود نحو مزيد من التفكك، بينما الانفتاح والحوار قد يشكلان نافذة أمل لبناء سوريا جديدة أكثر عدلاً واستقراراً. وفقاعات الفكر ليست مجرد ظاهرة ثقافية أو إعلامية، بل هي تهديد وجودي لمستقبل سوريا. كسر هذه الفقاعات ضرورة ملحّة لإنقاذ الدولة والمجتمع من مصير مجهول.
