تعيش الدولة السورية واحدة من أعقد مراحلها التاريخية الحديثة، مرحلةٌ يتداخل فيها الغموض السياسي بالتردي الاقتصادي، وتتحرك فيها القوى الدولية على رقعة شطرنج محكومة بالمصالح البراغماتية لا بالشعارات العاطفية. في حوار مكثف وجريء عبر منصة “الخلاصة“، وضع الكاتب والصحفي السوري، والمراقب في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، عصام خوري، مبضع الجراح على جسد الأزمة السورية الراهنة، ليفكك شيفرة التعاطي الأممي مع “سلطة دمشق الانتقالية” الجديدة بقيادة أحمد الشرع، ويرسم السيناريوهات المتوقعة لبلدٍ يعاد صياغته على الورق والشاشات، بينما يرزح شعبه تحت شلل الحركة المعيشية والسياسية.
“الاحتواء المنضبط”: كيف تنظر الأمم المتحدة لحكومة دمشق الجديدة؟
يبدأ خوري حديثه بتصحيح “مغالطة شائعة” تسكن أذهان قطاع واسع من الجمهور السوري، سواء من الموالين للحكومة الجديدة أو المعارضين لها، والذين يعتقدون أن المجتمع الدولي منح أحمد الشرع شرعية مطلقة أو صكًا على بياض.
يصف خوري الموقف الدولي الراهن بمصطلح دقيق: “الاحتواء المنضبط والتعامل المؤسساتي المتدرج“. هذا التعامل لا يقوم على الثقة، بل على أربعة مؤشرات براغماتية حددتها القوى الكبرى لحفظ مصالحها:
- منع انهيار مؤسسات الدولة السورية بشكل كامل.
- ضبط عملية الانتقال السياسي.
- حماية وحدة الأراضي السورية.
- فتح ممرات آمنة للعمل الإنساني.
ويشير خوري إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2799، الصادر في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والذي أزال أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب من قائمة عقوبات داعش/القاعدة التابعة لنظام 1267/1989/2253، لم يكن تبرئة سياسية كاملة لماضي الرجلين، بل خطوة دبلوماسية فتحت الباب أمام مخاطبتهما ضمن واقع السلطة الانتقالية.
إعادة تأويل القرار 2254 وغياب المعارضة المؤسساتية
في قراءة لافتة للتحولات الدبلوماسية، يشير خوري إلى أن الأمم المتحدة بدأت تتجاوز القراءة الحرفية والتقليدية للقرار الدولي الشهير (2254) الذي بني أساسًا على فرضية التفاوض بين “نظام الأسد والمعارضة”. ومع سقوط النظام السابق، وجد المجتمع الدولي نفسه أمام معضلة: غياب هيكل رسمي يمثل المعارضة في دمشق اليوم.
ويعزو خوري هذا الغياب إلى عدم سماح حكومة الشرع، حتى الآن، بتشكيل أحزاب سياسية حقيقية أو أطر تمثيلية مستقلة قادرة على إنتاج معارضة مؤسساتية داخل البلاد. وقد خلق ذلك فجوة سياسية واضحة في مقاربة الأمم المتحدة للملف السوري؛ فبينما تبقى الدول الأعضاء هي الفاعل الرسمي الأول داخل المنظمة الدولية، تلعب منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية دورًا استشاريًا ورقابيًا عبر التقارير، والمداخلات، وآليات الرصد ، والمناصرة.
ونتيجة لهذا الفراغ، باتت بعض منظمات المجتمع المدني السورية تؤدي عمليًا دور “المعارض الافتراضي”، لا بوصفها بديلًا سياسيًا مباشرًا عن الأحزاب، بل من خلال توثيق الانتهاكات، وطرح ملفات العدالة الانتقالية، وإبقاء قضايا المعتقلين والضحايا والحريات العامة حاضرة في النقاش الأممي. في المقابل، تعتمد الأمم المتحدة لغة دبلوماسية حذرة ومزدوجة في إحاطاتها الدورية، فهي تشير إلى بعض الخطوات الإجرائية الإيجابية للحكومة الانتقالية من جهة، وتوثق في الوقت نفسه استمرار الانتهاكات، وضعف المساءلة، وغياب مسار واضح للعدالة الانتقالية من جهة أخرى.
مأزق “البارانويا” وغياب عقلية العمل المؤسساتي
شنّ عصام خوري هجومًا نقديًا لاذعًا على طريقة إدارة الملفات السورية من قبل النخب السياسية، مستذكرًا “أمراض” المعارضة السورية منذ عام 2011. وتحدث بمرارة عن غياب ثقافة “العمل اللوبي” المؤسساتي المشترك، مشيرًا إلى أن السوريين مشتتون إلى لوبيات فئوية (إخوانية، درزية، علوية، كردية) تنشط في واشنطن بدافع “رد الفعل” أو المصالح الضيقة، دون وجود قاسم مشترك يجمع خطاباتهم أمام مراكز القرار الدولي، مما يفقد القضية السورية زخمها الأساسي.
كما انتقد خوري السلوك الدعائي للإعلام الرسمي الحالي بدمشق، والذي يمارس ذات الأسلوب القديم عبر اجتزاء بيانات الأمم المتحدة، فيسلط الضوء على “كلمات المديح البروتوكولية” ويتجاهل تمامًا الانتقادات الأممية الصارمة المتعلقة بأحداث السويداء، والساحل، وغياب مشاريع العدالة الانتقالية.
نهم السلطة و”مظاهر الهيبة” الزائفة
عند الانتقال إلى تشريح الواقع الداخلي في دمشق، لم يتردد خوري في وصف المشهد بـ “المسخرة” في بعض جوانبه. ورغم إقراره بأن حكومة الإنقاذ (سابقًا في إدلب) امتلكت حدًا أدنى من الخبرة الإجرائية في إدارة الخدمات (كالكهرباء والمياه) مقارنة بخدمات محدودة جدا في مناطق الإدارة الذاتية، إلا أن وصول هذه النخب إلى دمشق كشف عن عيوب قاتلة:
“هناك نهم واضح للسلطة، للعز والمال. أشخاص كانوا فقراء في محيط إدلب تسلموا مناصب فارهة، وأصبح جلّ همهم ركوب السيارات وتسيير مواكب رئيس السلطة الانتقالية بـ 50 سيارة! هذا جنون ومظهر غير منطقي يُفقد الإدارة هيبتها الحقيقية.”
ويرى خوري أن المجتمع السوري الذي أنهكته سنوات الحرب لا يملك اليوم رفاهية الوقت لانتظار هذه النخب حتى “تتعلم” أصول إدارة الدول، مؤكدًا أن الاستياء الشعبي يتنامى خلف الستار.
سوريا إلى أين؟
في ختام الحوار، رسم خوري ثلاث مسارات أساسية تحكم مستقبل الجغرافيا السورية في المدى المنظور:
- السيناريو الأول (تمديد عمر السلطة عسكريًا): إذا أصرت الحكومة الحالية على الحفاظ على صبغتها العسكرية والأمنية والاعتماد على البروباغندا، فقد تلجأ إلى تصدير أزمتها عبر “تدخل عسكري في لبنان“ لإشغال الحاضنة الشعبية وتقوية نفوذ الجيش، وهو سيناريو يراه خوري واردًا إذا انسدت الحلول السياسية.
- السيناريو الثاني (اللامركزية الإدارية – المسار المفضل): يرى خوري أن الحل الأمثل لطبيعة المجتمع السوري المتنوع ديموغرافيًا ودينيًا هو تقسيم البلاد إلى “إدارات لامركزية“. هذا النموذج يمنح البيئات المحافظة (مثل حماه أو إدلب) حق تطبيق قوانين تتوافق مع الشريعة الإسلامية (على غرار بعض جزر إندونيسيا)، بينما يتيح للمناطق الأخرى (مثل الساحل أو الشام) الحفاظ على نمط حياتها المدني، مما يمنع صدام المكونات.
- المسار الحتمي (تجريد الجنوب من السلاح): يؤكد خوري أن منطقة الجنوب السوري (درعا والقنيطرة وصولاً إلى مشارف دمشق) تسير رسميًا نحو التحول إلى “منطقة منزوعة السلاح تمامًا“. هذا الترتيب هو مطلب إسرائيلي حاسم حظي بقبول واشنطن، وليس لدى حكومة أحمد الشرع أي قدرة أو رفاهية لقول “لا” أمامه، لتصبح المنطقة فعليًا تحت وصاية ورقابة أمنية غير مباشرة.
يضعنا حوار عصام خوري أمام حقيقة مجردة من العواطف: سوريا لم تتعافَ بعد، والانتصار على الورق لا يعني استقرارًا على الأرض. إن الحكومة الانتقالية بدمشق تقف اليوم في “مختبر دولي” عسير، فإما أن تستوعب دروس الماضي وتتخلى عن نهم السلطة والاقصاء لصالح دولة المؤسسات واللامركزية، أو أن البلاد ستنجرف نحو جولة جديدة من الانقسامات المغلفة بالوصاية الدولية.
