لم تكن جلسة مجلس الأمن حول سوريا في 22 حزيران/يونيو 2026 مجرّد إحاطة دورية عابرة، رغم أنها لم تكن جلسة تصويت أو محطة لإصدار قرار جديد. أهميتها الحقيقية تكمن في أنها كشفت، من خلال العناوين المطروحة ومواقف الدول، أن الملف السوري ما يزال مفتوحاً دولياً بوصفه ملفاً سياسياً وإنسانياً وأمنياً، لا ملفاً مغلقاً بعد سقوط النظام السابق أو تشكّل سلطة انتقالية جديدة.
فإدراج سوريا على جدول أعمال المجلس تحت بند السياسي/الإنساني يعني أن الأمم المتحدة لا تتعامل مع التحول القائم باعتباره نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة مراقبة جديدة: مراقبة شرعية الانتقال، وشمولية العملية السياسية، وملف المعتقلين والمفقودين، وعودة اللاجئين والنازحين، واستمرار المساعدات الإنسانية، إضافة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة.
في الجلسة المفتوحة، قدّم كلاوديو كوردوني، نائب المبعوث الخاص إلى سوريا، ومعه مسؤول من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، إحاطة شملت المسارين السياسي والإنساني. أما المشاورات المغلقة التي تلت الجلسة، فبقيت محصورة بممثلي الحكومات، وهو ما يعني أن كثيراً من النقاشات الأكثر حساسية لا تظهر عادة في البيانات الرسمية أو في الكلمات العلنية.
أولاً: مجلس الشعب والاختبار السياسي للمرحلة الانتقالية
أحد أبرز الملفات التي طُرحت كان ملف انتخابات “مجلس الشعب”، وهي المؤسسة التشريعية المفترض أن تلعب دوراً مهماً في المرحلة الانتقالية. فقد أشار التقرير إلى الانتخابات التي جرت في 24 أيار/مايو 2026 في مناطق كانت خاضعة سابقاً للنفوذ الكردي في محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب/كوباني، بهدف ملء 11 مقعداً بقيت شاغرة بعد انتخابات أيلول/سبتمبر 2025.
لكن المشكلة الأهم لا تتوقف عند هذه المقاعد، بل عند المقاعد السبعين المتبقية التي يُفترض أن يعيّنها رئيس السلطة الانتقالية أحمد الشرع مباشرة. وحتى الآن، لم تُعلن أسماء هؤلاء الممثلين، كما لم يُحدد موعد الجلسة الأولى للمجلس. وهذا التأخير لا يحمل بُعداً إجرائياً فقط، بل ينعكس على قدرة سوريا على تشكيل جسم تشريعي فعّال يمكنه الدفع بملفات حساسة، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية، والإصلاح القانوني، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
من هنا، ركزت عدة دول على ضرورة أن تكون عملية استكمال المجلس فرصة لتعزيز تمثيل النساء، وضمان التنوع السياسي والاجتماعي، وعدم تحويل المجلس إلى واجهة شكلية لسلطة مركزية جديدة.
ثانياً: النساء والعدالة الانتقالية والذاكرة الجريحة
كان لافتاً أن الدول الموقعة على الالتزامات المشتركة حول المرأة والسلام والأمن، ومنها كولومبيا والدنمارك وفرنسا واليونان ولاتفيا وليبيريا وبنما وبريطانيا، شددت على ضرورة المشاركة الكاملة والمتساوية والفعالة للنساء في العملية السياسية.
هذا التركيز لا يبدو تفصيلاً بروتوكولياً. ففي بلد مثل سوريا، عانت فيه النساء من الحرب، والاعتقال، والنزوح، والعنف، وفقدان المعيل، لا يمكن بناء انتقال سياسي حقيقي من دون إشراكهن في صناعة القرار. كما أن تقارير الأمين العام حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والأطفال والنزاع المسلح، أعادت التذكير بوجود انتهاكات طالت مجتمعات سورية، بينها العلويون والدروز، إلى جانب التحذير من تدهور التعليم، ولا سيما في مناطق مثل السويداء حيث لم يتمكن كثير من المواطنين من حضور الامتحانات الأخيرة.
بهذا المعنى، لم تعد العدالة الانتقالية في سوريا مجرد شعار سياسي، بل أصبحت اختباراً لقدرة السلطة الجديدة على الاعتراف بالضحايا، وتوثيق الانتهاكات، ومنع الانتقام، وبناء دولة لا تستبدل ظلماً بظلم آخر.
ثالثاً: العلاقة مع الأكراد ووحدة الدولة السورية
من الملفات الحساسة التي حضرت في الإحاطة ملف دمج “قوات سوريا الديمقراطية” والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في مؤسسات الدولة. ويشير التقرير إلى اتفاق موقّع في 29 كانون الثاني/يناير بين دمشق وهذه القوى، يتضمن الدمج التدريجي للقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية والإدارية.
وتفيد المعطيات بأن عدة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية تم دمجها في هيكل الجيش الوطني، بينما يخضع أكثر من تسعة آلاف عنصر من “الأسايش”، وهي قوات الأمن الداخلي الكردية، لعملية دمج داخل وزارة الداخلية السورية. كما أُشير إلى إطلاق أكثر من 1200 معتقل من قوات سوريا الديمقراطية بموجب الاتفاق.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى الملفات العالقة كثيرة: مصير وحدات حماية المرأة، طبيعة الحكم المحلي، المناهج التعليمية، حقوق المكونات القومية والثقافية، وحدود اللامركزية داخل الدولة السورية. فالوحدة الوطنية لا تُبنى فقط عبر دمج السلاح، بل عبر الاعتراف السياسي والثقافي والاجتماعي بالمكونات السورية كافة.
رابعاً: الجنوب السوري وإسرائيل… السيادة غير المكتملة
في مقابل التحسن النسبي في الشمال الشرقي، برز القلق من الوضع في الجنوب السوري. فدمشق، وفق التقرير، ما تزال تواجه تحديات جدية في بسط سيادتها على بعض المناطق، خصوصاً في ظل الوجود الإسرائيلي داخل أراض سورية.
وقد أشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن في 15 حزيران/يونيو، بعد الحديث عن مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، أن القوات الإسرائيلية ستبقى في أراض لبنانية وسورية تصفها إسرائيل بأنها “مناطق أمنية”.
وتزداد حساسية هذا الملف مع الحديث عن سيطرة فعلية إسرائيلية على مساحة تقارب 235 كيلومتراً مربعاً داخل سوريا، بما يتجاوز خط وقف إطلاق النار والمنطقة العازلة التي أنشئت بموجب اتفاق فصل القوات لعام 1974. كما أكد تقرير الأمين العام حول قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” استمرار الخروقات الإسرائيلية للاتفاق، ووجود 11 موقعاً عسكرياً إسرائيلياً داخل الجانب السوري في مناطق الفصل والتحديد.
هذا الملف يضع السلطة السورية الانتقالية أمام سؤال صعب: كيف يمكنها المطالبة بالسيادة الكاملة وهي ما تزال بحاجة إلى اعتراف دولي ودعم اقتصادي وأمني؟ وكيف ستتعامل مع إسرائيل في ظل توازنات إقليمية جديدة مرتبطة بالاتفاق الأميركي ـ الإيراني؟
خامساً: داعش ومخاطر الإرهاب العائد
رغم أن الاهتمام الدولي بسوريا بات يتركز على الانتقال السياسي وإعادة الإعمار، فإن ملف الإرهاب لا يزال حاضراً بقوة. فقد أشار التقرير إلى هجومين لتنظيم داعش خلال أسبوع واحد: الأول في 15 حزيران/يونيو استهدف منشأة أمن داخلي في الرقة، وأسفر عن مقتل عنصر أمني وإصابة آخرين، والثاني في 16 حزيران/يونيو أدى إلى إصابة مسؤول قضائي بجروح خطيرة في ريف دمشق.
وفي المقابل، تحدثت المعطيات عن عمليات أمنية واسعة نفذتها السلطات السورية خلال ثلاثة أشهر، من آذار/مارس إلى أيار/مايو، أدت إلى توقيف 235 عنصراً من داعش وضبط أسلحة ومتفجرات.
لكن مكافحة الإرهاب لا تقتصر على العمليات الأمنية. فقد شددت عدة دول على أهمية بناء القدرات، ودعم سوريا عبر مؤسسات أممية مثل مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والمديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب. كما طُرح ملف المقاتلين الأجانب، وهو ملف شديد الحساسية لأنه يرتبط بتركيبة القوى المسلحة التي شاركت في الحرب، وبمخاوف دولية من إعادة تدوير التطرف داخل مؤسسات الدولة.
سادساً: الأزمة الإنسانية… أرقام تكشف حجم الانهيار
رغم اللغة الدبلوماسية التي استخدمتها معظم الدول، فإن الأرقام الإنسانية تكشف عمق الكارثة. فالوضع في سوريا لا يزال مأساوياً، مع انهيار اقتصادي، وتدهور في البنية التحتية المدنية، وضعف في أنظمة الدعم والخدمات.
وقد أشار التقرير إلى أن “صندوق سوريا الإنساني” سرّع تخصيص 145.9 مليون دولار من المساعدات، تستهدف 3.4 مليون شخص، 88 في المئة منهم من النساء والأطفال. لكن خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لسوريا لعام 2026 تحتاج إلى 2.92 مليار دولار لدعم 8.6 مليون شخص، في حين لم يتم تأمين سوى 20.9 في المئة من التمويل المطلوب.
هذه الأرقام تقول بوضوح إن الحديث عن عودة اللاجئين، أو إعادة الإعمار، أو الاستقرار، يبقى ناقصاً إذا لم يُربط بقدرة الناس على العيش: الغذاء، الدواء، التعليم، الكهرباء، المياه، والسكن.
سابعاً: مواقف الدول… دعم للاستقرار بشروط غير معلنة
ما ظهر في كلمات الدول أن هناك اتجاهاً عاماً لدعم الاستقرار في سوريا، لكن هذا الدعم ليس مفتوحاً ولا بلا شروط. الدنمارك ركزت على دعم النساء. الصين رحبت بالتسوية الأميركية ـ الإيرانية عبر الوسيط الباكستاني، وربطت الاستقرار السوري بالاستقرار الإقليمي. لاتفيا تحدثت عن إعادة الإعمار والتنوع وحقوق الأكراد. اليونان شددت على الاستقرار في المتوسط، ونزع السلاح الكيميائي، وبناء الثقة، وتجنّب تكرار أحداث دموية مثل ما جرى في السويداء.
أما باكستان فركزت على العدالة الانتقالية وتحديات الجولان. فرنسا اهتمت بالنقاشات بين إسرائيل وسوريا، والاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، ودعم القطاع الصحي. بريطانيا ركزت على التعليم والاستقرار بعد الاتفاق الإيراني ـ الأميركي. كولومبيا ركزت على اللاجئين والأزمة الإنسانية والمساواة الجندرية.
في المقابل، شدد المندوب السوري على الوضع الإنساني، وملف عائلة رانيا العباسي، والعدالة، ومكافحة الاتجار بالبشر، وحقوق الطفل، وبسط السيادة السورية على الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها مؤخراً. كما تحدث عن ستة آلاف معتقل من النظام السابق ضمن برنامج العدالة الانتقالية، وعن مرسوم يتعلق بتجنيس عديمي الجنسية والأكراد الأجانب، وأعلن عودة ثلاثة ملايين ونصف مليون لاجئ.
أما السعودية فركزت على التحول الاقتصادي وضرورة رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع دعم الدول المضيفة للاجئين والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك مع إسرائيل. تركيا شددت على مشاريع إعادة الإعمار والطاقة. أما الإمارات فركزت على الاستقرار والتجارة والصحة والسياحة، من خلال منتدى اقتصادي في دمشق، وفتح خط طيران، والمساهمة في ترميم الجامع الأموي.
سوريا تحت الاختبار الدولي
تكشف جلسة مجلس الأمن أن المجتمع الدولي لا يتعامل مع سوريا الجديدة بوصفها قصة نجاح مكتملة، بل بوصفها مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة. هناك رغبة دولية واضحة في دعم الاستقرار، وخصوصاً بعد التفاهم الأميركي ـ الإيراني، لكن هذا الدعم مشروط عملياً بعدة عوامل: توسيع التمثيل السياسي، إشراك النساء، حماية المكونات، معالجة ملف المعتقلين والمفقودين، مكافحة الإرهاب، بسط السيادة، وضمان عدم تكرار أنماط الاستبداد القديمة بأسماء جديدة.
ما لم يُقَل علناً في مجلس الأمن هو أن سوريا اليوم لا تُراقب فقط كدولة خارجة من الحرب، بل كاختبار دولي لمعنى الانتقال السياسي في منطقة مضطربة. فإما أن تنجح السلطة الانتقالية في تحويل الاعتراف الخارجي إلى عقد اجتماعي داخلي، وإما أن تبقى الدولة معلّقة بين شرعية دولية ناقصة وثقة داخلية لم تكتمل بعد.
Syria Before the Security Council: What Was Not Said Publicly
