لِقُرونٍ طويلة، امتدَّت الإمبراطوريّةُ الرومانيّةُ بعيداً عن حوضِ البحرِ الأبيضِ المتوسِّط، تاركةً وراءَها آثاراً، ومدناً، وإرثاً ثقافيّاً ما يزالُ يُشكِّل ملامحَ الشرق الأوسط. لم يكن الوجودُ الرومانيُّ مجرَّدَ سَيطرةٍ عسكريّة، بل كان شَبكةً من الطُّرُق والتِّجارة والعِمارة والدِّين. لقد كان فصلاً من فُصولِ التاريخ حيثُ التقى الشَّرقُ بالغرب، فأنتجَا معاً حضارةً لا تزالُ حاضرةً حتى اليوم.
مَدنٌ وآثار خالدة
حوَّل الرومانُ الشرقَ الأوسط إلى ساحةٍ تستعرضُ عبقريتَهم في العِمارة والهَندسة:
- بعلبك (لبنان): مَعابِد شامخة مُكرَّسة لجوبيتر وباخوس، تُعَدُّ من أعظم الآثار الرومانيّة خارج إيطاليا.
- تَدمُر (سوريا): مَفترقُ تجارةٍ على أطراف الصحراء، حيث اندمجت الأعمدةُ الرومانيّةُ بالزخارف الشَّرقيّة، وهناك برزت زنوبيا، الملكةُ التي تحدَّت روما وخلَّدت اسمها.
- جَرش (الأردن): مدينة الألفِ عامود، وما تزال شوارعها المبلَّطة ومسارحها الرومانيّة تنبضُ بالحياة.
- أنطاكية: عاصمة الشرق الروماني، ومركزٌ للثقافةِ والسِّياسة، حيث التقت التقاليدُ اليونانيّةُ والرومانيّةُ بالروحِ الشَّرقيّة.
طُرُقٌ وجُيوشٌ وسُلطَة
لم يكُن الوجودُ الرومانيُّ في الشَّرق مجردَ أحجارٍ وآثار، بل كان نِظاماً مُحكَماً:
- الطُّرُق: ربطت دِمشق بالقدس، وصُور بغزّة، وبلاد الرافدين بالمتوسِّط.
- الحُصون: حَمَت حدود الإمبراطوريّة من غزواتِ الفُرس والقبائل.
- القوانين والضَّرائب: جَعَلَت من الشَّرق خزينةً للإمبراطوريّة، يَمدُّها بالحبوب والزيت والبضائع النادرة.
مَهدُ الدِّيانات
لم يكُن الشَّرقُ أرضاً صامتة، بل كان مَهوى دياناتٍ وحركاتٍ رُوحيّة غيَّرت وجهَ العالم:
- في اليَهوديّة: اندلعت ثورات ضد الحكم الروماني، وانتهت بتدمير هيكل القدس عام 70 م.
- في المسيحيّة: تحوَّلت أنطاكية والقدس إلى مَراكزَ رُوحيّةٍ كُبرى نشرت رسالةً جديدة، أصبحت فيما بعد دين الإمبراطوريّة الرسمي.
- في بعلبك وتدمر، امتزجت الآلهةُ الرومانيّة بالمحليّة، فالتقى جوبيتر بالإله الكنعاني بعل.
أفولُ القوّة وبقاءُ الإرث
مع القرن الثالث للميلاد، بدأ الضعفُ يدبُّ في جدران القوّة الرومانيّة. ضغط الفُرس الساسانيّون من الشرق، فيما هزّت الاضطراباتُ الدَّاخليّة الغرب. ورغم انحسار السُّلطان العسكري، فإن الإرثَ بَقي:
- الطُّرُق الرومانيّة ظلّت مَسالِك للحجِّ والتِّجارة.
- المَعابِد والمسارح تحوَّلت إلى كنائس ثم مساجد.
- النِّظام الإداري والقانوني مهَّد لِما تلاه من حُكوماتٍ وأنظمة.
إرثٌ مُشترك
بعد ألفَي عام، ما تزال حجارةُ بعلبك وجرش وتدمر تروي قصّة التقاء حضارتَين: حضارة البحر الأبيض المتوسِّط وحضارة الشَّرق.
إنَّها قِصّة قُوّةٍ سَعَت للسَّيطرة، لكنَّها انتهَت بأن تركت بَصمةً ثقافيّة وروحيّة ما تزالُ نابضةً حتى اليوم.
