ليس حذف اسم عالم الآثار السوري الراحل خالد الأسعد من إحدى مدارس تدمر، إن صحّ القرار كما نقلته تقارير إعلامية سورية، مجرد تغيير إداري عابر في لافتة مدرسية بظل حكومة أحمد الشرع. فالأسماء في المدن ليست زينة لغوية، بل ذاكرة عامة. وحين يُزال اسم رجل قُتل لأنه رفض تسليم ذاكرة تدمر لتنظيم “الدولة الإسلامية”، فإن المسألة تتجاوز المدرسة إلى سؤال أعمق: أي نوع من الذاكرة تريد سوريا الجديدة أن تبنيها؟ ذاكرة العلماء، أم ذاكرة الولاءات العابرة؟
بحسب تقارير منشورة في 2026، أصدرت “إدارة منطقة تدمر” قراراً بتغيير أسماء عدد من المدارس والمنشآت التربوية، وشمل ذلك استبدال اسم مدرسة “خالد الأسعد” باسم “ثانوية تدمر”. (0) لكن، ومن باب الدقة المهنية، لا بد من القول إن نسخة رسمية منشورة من القرار لم تظهر بعد في المصادر المفتوحة التي اطلعنا عليها، لذلك فالمعلومة قوية ومتداولة في أكثر من مصدر ، لكنها تبقى بحاجة إلى صورة القرار أو بيان رسمي لتثبيتها نهائياً. ما لا يحتاج إلى تثبيت، بالمقابل، هو مكانة خالد الأسعد نفسه “الرجل الذي حوّل اسمه إلى رمز عالمي للدفاع عن التراث في وجه الهمجية”.

وُلد خالد محمد الأسعد في تدمر عام 1932، ودرس التاريخ في جامعة دمشق، ثم ارتبط اسمه منذ ستينيات القرن الماضي بمدينة تدمر وآثارها. تولّى إدارة آثار تدمر ومتحفها منذ عام 1963 تقريباً، وبقي لعقود طويلة أحد أبرز وجوه البحث الأثري السوري، لا بصفته موظفاً إدارياً فحسب، بل بصفته حافظاً لذاكرة مدينة تُعدّ واحدة من أهم المواقع الأثرية في العالم. وقد عمل مع بعثات أثرية من فرنسا وألمانيا وسويسرا وهولندا والولايات المتحدة وبولندا وإيطاليا، وارتبط اسمه علمياً بتاريخ تدمر ونقوشها وتراثها المعماري (1).
كانت تدمر بالنسبة إليه أكثر من حجارة رومانية أو أعمدة بازلتية أو أطلال مدينة تجارية قديمة. كانت دليلاً على أن سوريا لم تكن يوماً هوية مغلقة، بل عقدة تواصل بين الشرق والغرب، بين الفرس والرومان والعرب، بين التجارة والثقافة والديانات واللغات. لذلك لم يكن غريباً أن يكرّس أكثر من نصف قرن من حياته لحماية هذا الموقع وشرحه وترميمه وتعريف العالم به. وقد وصفه أحد العارفين به في صحيفة “الغارديان” بأنه عالم لا يمكن الكتابة عن تدمر من دون ذكره، لأنه كان جزءاً من تاريخ الموقع نفسه (2).
لماذا قتله تنظيم الدولة؟
في آب/أغسطس 2015، وبعد سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على تدمر، اعتُقل خالد الأسعد، وكان قد تجاوز الثمانين من عمره. ذكرت تقارير دولية أنه احتُجز واستُجوب، وأن التنظيم أراد منه معلومات عن أماكن قطع أثرية نُقلت أو أُخفيت لحمايتها من النهب والتدمير. لكنه رفض التعاون. وكانت النتيجة أن قُتل بطريقة وحشية في تدمر، المدينة التي أفنى عمره في خدمتها (3).
أهمية هذه الحادثة لا تكمن فقط في بشاعة الجريمة، بل في معناها الرمزي. تنظيم “الدولة” لم يكن يقتل شخصاً فقط، بل كان يحاول قتل فكرة: أن الذاكرة السورية أقدم من سلطات اليوم، وأوسع من الطوائف، وأغنى من الخطابات الدينية الضيقة. خالد الأسعد، في لحظة موته، لم يكن يدافع عن تمثال أو حجر فحسب، بل عن حق السوريين في ماضٍ لا يُختزل ولا يُباع ولا يُسلّم للقتلة.
مديرة اليونسكو آنذاك، إيرينا بوكوفا، أدانت مقتله وعبّرت عن “حزن وغضب” تجاه الجريمة، مؤكدة أنه كان يشرف على آثار موقع تدمر المدرج على قائمة التراث العالمي. وفي تصريح آخر مرتبط بتدمير آثار تدمر، وصفت اليونسكو استهداف التراث بأنه جريمة تتجاوز الحجر، لأنها محاولة لحرمان شعب من ماضيه ومستقبله (4).
لماذا كرّمته إيطاليا؟
ربما تبدو المفارقة موجعة: في سوريا يُقال إن اسمه يُزال من مدرسة في مدينته، بينما في إيطاليا يُكتب اسمه على متحف وجائزة وساحة وذاكرة عامة. لكن هذا التكريم الإيطالي لم يكن صدفة. فإيطاليا، بتاريخها الأثري الكبير وبحضورها الأكاديمي في علم آثار الشرق القديم، فهمت أن خالد الأسعد لم يكن عالماً سورياً محلياً فقط، بل رمزاً عالمياً لحماية التراث الإنساني.
في مدينة أرونا الإيطالية، يحمل المتحف الأثري اسم Museo Archeologico Khaled al-Asaad، أي “متحف خالد الأسعد الأثري”. وهذا ليس مجرد تعاطف عابر، بل فعل رمزي يربط بين ذاكرة مدينة إيطالية وتراث مدينة سورية، وكأن الرسالة تقول إن تدمر ليست للسوريين وحدهم، بل للإنسانية كلها (5).
وفي بيزا، أُزيحت لوحة تكريمية لخالد الأسعد بحضور الرئيس الإيطالي سيرجو ماتاريلا، ضمن سياق تسمية مكان أثري أو مساحة مرتبطة بحماية التراث باسمه. أما في ميلانو، فقد خُصصت له شجرة وحجر تذكاري في “حديقة الصالحين” في مونتي ستيلا، وهي حديقة تُكرّم شخصيات قاومت الشرّ والعنف والاستبداد في العالم . (6)
كما أُطلقت في إيطاليا جائزة دولية للاكتشاف الأثري حملت اسم خالد الأسعد. وتقول الجهة المنظمة إن الجائزة سُمّيت باسمه لأنه “دفع حياته ثمناً للدفاع عن التراث الثقافي”، وهي جائزة تُمنح لاكتشافات أثرية عالمية وتشارك في ترشيحاتها مجلات ومؤسسات أثرية أوروبية. (7)
شهادات فكرية وأكاديمية في خالد الأسعد
من أبرز الشهادات التي تُظهر مكانته ما قاله عالم الآثار الإيطالي المعروف باولو ماتييه، مكتشف إيبلا وأحد أهم المختصين بآثار سوريا القديمة. فقد وصف خالد الأسعد بأنه كان “عالم آثار المدينة”، أي أن علاقته بتدمر لم تكن علاقة وظيفة بموقع، بل علاقة هوية ومعرفة ورسالة. وأشار ماتييه إلى أنه عمل مع بعثات من دول عديدة، وأنه كان عالماً دقيقاً وشخصية مرتبطة بثقافة مدن الصحراء السورية. (8)
أما مأمون عبد الكريم، المدير العام السابق للآثار والمتاحف في سوريا، فقد وصفه بعد اغتياله بأنه “شهيد تدمر” ورمز يجب أن يصبح عنواناً للنضال ضد الإرهاب. هذه الشهادة مهمة لأنها لا تتحدث عن عالم آثار فقط، بل عن رجل تحوّل موته إلى موقف أخلاقي عالمي. (9)
وفي “الغارديان”، وصفه الباحثون بأنه عالم بارز وخبير عالمي بتاريخ تدمر وآثارها، وأن كتابه عن تدمر، الذي شارك في تأليفه مع عدنان البني، أصبح مرجعاً أساسياً لزوار المدينة والباحثين فيها. هذه ليست شهادة عاطفية، بل اعتراف علمي بمكانته في حقل الدراسات التدمرية. (10)
كذلك رأت اليونسكو في مقتله جريمة ضد التراث الإنساني، لا مجرد جريمة قتل فردية. ففي منطق اليونسكو، حماية التراث ليست ترفاً ثقافياً، بل جزء من حماية هوية الشعوب وحقها في الذاكرة. لذلك كان خالد الأسعد، بالنسبة للمؤسسات الثقافية الدولية، نموذجاً للعالم الذي لم يكتفِ بالبحث والكتابة، بل دفع حياته ثمناً لما آمن به. (11)
لماذا يثير حذف اسمه غضباً سورياً؟
لأن خالد الأسعد لا يمثل حزباً، ولا نظاماً، ولا طائفة، ولا دعاية سياسية. هو يمثل شيئاً أندر: السوري الذي خدم بلاده بصمت، وترك أثراً علمياً، ثم مات دفاعاً عن ذاكرة بلده. لذلك فإن حذف اسمه، إن تأكد رسمياً، لا يمكن تبريره بمنطق “إزالة رموز المرحلة السابقة”، لأن الرجل لم يكن رمزاً سلطوياً، بل رمزاً معرفياً وإنسانياً.
والمشكلة الأعمق أن سوريا، بعد كل ما عاشته، تحتاج إلى إعادة بناء ذاكرة وطنية مشتركة. هذه الذاكرة لا تُبنى بإزالة أسماء العلماء والمفكرين، بل بإخراجهم من أسر الاستقطاب السياسي. خالد الأسعد يجب أن يكون اسماً جامعاً، لأنه قُتل على يد تنظيم متطرف لا يفرّق بين حجر وإنسان، ولا بين حضارة وحياة. وحين نُبقي اسمه على مدرسة في تدمر، فنحن لا نكرّم الماضي فقط، بل نعلّم الطلاب أن البطولة ليست دائماً في حمل السلاح، بل قد تكون في حماية كتاب، أو تمثال، أو نقش، أو متحف، أو ذاكرة مدينة.
بين إيطاليا وسوريا: من يحفظ الذاكرة؟
المؤلم في القصة أن إيطاليا فهمت خالد الأسعد بوصفه جزءاً من التراث العالمي، بينما يبدو أن بعض الإدارات السورية قد تتعامل مع اسمه بوصفه تفصيلاً قابلاً للحذف من لافتة مدرسية. في إيطاليا، صار اسمه على متحف وجائزة ومكان تذكاري. في سوريا، البلد الذي ولد فيه وخدم آثاره وقُتل على أرضه، يُقال إن اسمه أُزيل من مدرسة.
هذه ليست مفارقة بروتوكولية، بل مرآة قاسية. فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور، بل بما تحفظه من أسماء. وحين تُحذف أسماء العلماء، تفرغ الذاكرة العامة من معناها، وتتحول المدارس إلى مبانٍ بلا رواية.
خالد الأسعد لم يكن مجرد عالم آثار. كان حارس تدمر، وحارس معنى سوريا الأعمق: سوريا المتعددة، القديمة، العالمة، المفتوحة على العالم. ولذلك فإن تكريمه ليس واجباً أخلاقياً تجاه رجل قُتل، بل
