يشهد الشرق الأوسط منذ عقود سلسلة من النزاعات المسلحة والحروب الممتدة التي لم تقتصر آثارها على الجيوش والقوى المتصارعة، بل طالت بصورة مباشرة المجتمعات المدنية والبنية الاجتماعية للدول. فمع تصاعد العمليات العسكرية وتداخل الصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة، أصبح السلم الأهلي هشًّا في العديد من البلدان، بينما يعيش المدنيون في ظل تهديد دائم نتيجة العمليات القتالية، والقصف، وانهيار الخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي يتعلق بقدرة القانون الدولي على حماية المدنيين، ومدى احترام أطراف النزاع للقواعد التي وضعت أساسًا للحد من معاناة السكان أثناء الحروب.
السلم الأهلي في منطقة مثقلة بالصراعات
السلم الأهلي لا يعني فقط غياب الحرب، بل يشير إلى حالة من الاستقرار الاجتماعي والسياسي التي تسمح للمجتمعات بالعيش دون خوف من العنف أو الانقسامات الداخلية. غير أن واقع الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة يشير إلى عكس ذلك. فالحروب في سوريا واليمن، والتوترات المستمرة في العراق ولبنان، والتصعيد المتكرر في فلسطين، إضافة إلى التوترات الإقليمية بين القوى الكبرى في المنطقة، كلها عوامل جعلت المجتمعات المدنية تعيش في حالة دائمة من عدم الاستقرار.
إن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على جبهات واضحة بين الجيوش النظامية، بل أصبحت تدور في كثير من الأحيان داخل المدن والمناطق المأهولة بالسكان. هذا التحول في طبيعة النزاعات أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الضحايا المدنيين، سواء نتيجة العمليات العسكرية المباشرة أو بسبب انهيار البنية التحتية الأساسية مثل المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء.
المدنيون كأكبر ضحايا النزاعات
تشير تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن نسبة كبيرة من ضحايا الحروب في العصر الحديث هم من المدنيين. ففي النزاعات المسلحة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، تعرض المدنيون للقصف العشوائي، والنزوح القسري، وفقدان مصادر الرزق، إضافة إلى انهيار منظومات التعليم والصحة.
ولا يقتصر الخطر على القتل المباشر، بل يشمل أيضًا الآثار طويلة المدى للنزاعات مثل الفقر، وانتشار الأمراض، وتفكك المجتمعات المحلية. كما يؤدي استمرار العنف إلى تآكل الثقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وهو ما يهدد السلم الأهلي حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
حماية المدنيين في القانون الدولي الإنساني
وضع القانون الدولي الإنساني مجموعة من القواعد التي تهدف إلى تقليل معاناة المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وتُعد اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لها من أهم المرجعيات القانونية في هذا المجال.
تنص المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف على وجوب معاملة الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم المدنيون، معاملة إنسانية في جميع الأحوال، وتحظر الاعتداء على حياتهم أو كرامتهم.
كما يؤكد البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 على مبدأ أساسي في القانون الدولي الإنساني وهو مبدأ التمييز، الذي يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين المقاتلين والمدنيين. وبموجب هذا المبدأ، لا يجوز استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية مثل المنازل والمستشفيات والمدارس.
كذلك ينص القانون الدولي على مبدأ التناسب، الذي يمنع شن هجمات عسكرية إذا كان من المتوقع أن تسبب خسائر في صفوف المدنيين تفوق الميزة العسكرية المرجوة. إضافة إلى ذلك، يلزم القانون أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الأضرار التي قد تلحق بالسكان المدنيين.
التحدي بين القانون والواقع
رغم وضوح هذه القواعد القانونية، فإن التطبيق على أرض الواقع يظل محدودًا في كثير من الأحيان. فالنزاعات المعقدة التي تتداخل فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية تجعل مسألة الالتزام بالقانون الدولي أكثر صعوبة، خاصة في ظل غياب آليات فعالة للمحاسبة.
كما أن استخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق الحضرية، وانتشار الجماعات المسلحة غير النظامية، يزيدان من خطر وقوع خسائر مدنية كبيرة. وفي كثير من الحالات، تتحول المدن إلى ساحات قتال مفتوحة، ما يجعل المدنيين عرضة للخطر حتى لو لم يكونوا جزءًا من النزاع.
ضرورة تعزيز حماية المدنيين
إن الحفاظ على السلم الأهلي في الشرق الأوسط يتطلب ما هو أكثر من وقف إطلاق النار أو التوصل إلى تسويات سياسية مؤقتة. فالحماية الفعلية للمدنيين يجب أن تكون أولوية في أي مقاربة لمعالجة النزاعات في المنطقة.
وهذا يتطلب من المجتمع الدولي الضغط من أجل احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتعزيز آليات التحقيق والمساءلة في حالات الانتهاكات. كما ينبغي دعم المبادرات المحلية التي تعزز التماسك الاجتماعي وتمنع تحول النزاعات العسكرية إلى صراعات أهلية طويلة الأمد.
يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في النزاعات المسلحة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وبينما توفر القوانين الدولية إطارًا واضحًا لحمايتهم، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه القواعد إلى واقع ملموس على الأرض. فبدون احترام قواعد الحرب وحماية المدنيين، لن يكون من الممكن بناء سلام مستدام أو إعادة ترميم السلم الأهلي في المجتمعات التي أنهكتها الصراعات.
