تاريخيًا، كانت الحروب تدور في جبهات عسكرية واضحة، بين قوات نظامية وفي مناطق بعيدة نسبيًا عن التجمعات السكانية. غير أن طبيعة النزاعات الحديثة في الشرق الأوسط تغيرت بشكل كبير، حيث أصبحت الهجمات تستهدف في كثير من الأحيان البنية التحتية الحيوية مثل الموانئ والمنشآت النفطية والمطارات وشبكات الطاقة.
وفي الأسابيع الأخيرة، شهدت دول الخليج العربي سلسلة من الضربات التي استهدفت منشآت مدنية أو اقتصادية، بما في ذلك موانئ ومرافق للطاقة وسفن تجارية في الممرات البحرية. هذه الهجمات لا تؤثر فقط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، بل تضع أيضًا حياة المدنيين العاملين في تلك المنشآت في دائرة الخطر المباشر، وتعرض المدن الساحلية والمناطق السكنية المجاورة لاحتمالات التصعيد العسكري.
المنشآت المدنية بين الاستهداف العسكري والالتزامات القانونية
وفقًا للقانون الدولي الإنساني، تُعد المنشآت المدنية والبنية التحتية غير العسكرية محمية بشكل صريح أثناء النزاعات المسلحة. وتنص اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها على ضرورة التمييز الصارم بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
ويؤكد البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، في المادة 48، على مبدأ أساسي يعرف باسم مبدأ التمييز، والذي يلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأهداف المدنية والعسكرية، وعدم توجيه الهجمات إلا إلى الأهداف العسكرية المشروعة.
كما تنص المادة 52 من البروتوكول ذاته على أن الأعيان المدنية، بما في ذلك المنشآت الاقتصادية والمرافق المدنية، لا يجوز أن تكون هدفًا للهجوم أو لأعمال الانتقام، ما لم تُستخدم بشكل مباشر في العمليات العسكرية.
الهجمات على البنية التحتية في الخليج: تداعيات إنسانية واقتصادية
إن استهداف منشآت الطاقة أو الموانئ أو السفن التجارية في الخليج العربي لا يحمل فقط أبعادًا عسكرية، بل له آثار إنسانية واقتصادية واسعة النطاق. فهذه المنشآت غالبًا ما يعمل فيها آلاف المدنيين من جنسيات مختلفة، كما ترتبط بها منظومات حيوية مثل إمدادات الطاقة والكهرباء وسلاسل الإمداد الغذائية.
وبالتالي، فإن أي هجوم على هذه المرافق قد يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين أو تعريض السكان لمخاطر كبيرة، إضافة إلى تعطيل الاقتصاد الإقليمي والدولي. كما أن التهديد المستمر للممرات البحرية في الخليج يخلق حالة من القلق لدى الملايين من المدنيين الذين تعتمد حياتهم اليومية على استقرار حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
مبدأ التناسب والاحتياطات أثناء الهجمات
إلى جانب مبدأ التمييز، يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع الالتزام بما يعرف بـ مبدأ التناسب. وينص هذا المبدأ على أنه حتى في حال وجود هدف عسكري مشروع، لا يجوز شن هجوم إذا كان من المتوقع أن يؤدي إلى خسائر في صفوف المدنيين أو أضرار بالأعيان المدنية تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة.
كما تلزم القواعد الدولية أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار التي قد تصيب المدنيين، بما في ذلك اختيار وسائل وأساليب القتال التي تحد من الخسائر البشرية والمادية.
خطر توسع الصراع على السلم الإقليمي
إن استمرار الضربات المتبادلة واستهداف البنية التحتية المدنية في الخليج لا يشكل فقط تهديدًا لحياة المدنيين، بل قد يؤدي أيضًا إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي بشكل واسع. فالخليج العربي يعد أحد أهم المراكز الاقتصادية في العالم، وأي تصعيد عسكري فيه قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي.
كما أن توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت مدنية قد يؤدي إلى تصاعد التوترات بين الدول، ويزيد من احتمالات انخراط أطراف جديدة في النزاع، ما يهدد بتحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع.
ضرورة احترام قواعد الحرب
في ظل هذا التصعيد، تصبح مسألة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فحماية المدنيين ليست مجرد التزام قانوني، بل هي أيضًا شرط أساسي للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني في مناطق النزاع.
إن أي استهداف متعمد للمنشآت المدنية أو تعريض السكان للخطر يعد انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، ويقوض الجهود الدولية الرامية إلى الحد من معاناة المدنيين في الحروب.
الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران وجيرانها والولايات المتحدة لا تقتصر آثارها على المعادلات العسكرية والسياسية، بل تمتد لتطال حياة ملايين المدنيين الذين يجدون أنفسهم في قلب الصراع. ومع تكرار الضربات على منشآت مدنية في الخليج العربي، تبرز الحاجة الملحة إلى التزام جميع الأطراف بالقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ففي نهاية المطاف، تبقى حماية المدنيين واحترام قواعد الحرب حجر الأساس لأي نظام دولي يسعى إلى الحد من الفوضى والعنف في زمن النزاعات. وبدون هذا الالتزام، ستظل المجتمعات المدنية في الشرق الأوسط تدفع الثمن الأكبر لصراعات تتجاوز قدرتها على التأثير فيها.
