بقلم: عصام خوري
١٣ آذار: مارس ٢٠٢٥
بادرت السلطة الانتقالية التي يقودها أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني، سابقا” بسلسلة من التسريحات للموظفين بالعقود الموقتة، كما تم حل الجيش والقوى الأمنية المرتبطة بالنظام بشار الأسد، مما جعل هذه الشريحة الكبيرة التي جلها من أبناء الطائفة العلوية بدون اية رواتب، هذا الواقع دفع العلويين للسخط من النظام الجديد، واضيف لذلك سلسة من الحوادث الفردية التي نكلت بأبناء هذه الطائفة لغرض الثأر من دورها السابق في دعم بشار الأسد
جميع هذه الأمور دفعت العديد من أبناء هذه الطائفة لاحتضان التوجه المسلح الذي قاده العميد “غسان سليمان دلا” فيما يسمى ” المجلس العسكري لتحرير سوريا” الذي أطلق اعماله القتالية على شكل حرب عصابات طالت الحواجز العسكرية لقوات الامن السوري في عدة مناطق سورية من ريف حمص وصولا للساحل السوري منذ بداية شهر آذار/ مارس 2025، وفي يوم Mar 06, 2025 ظهر “المجلس العسكري لتحرير سوريا” بشكل واضح من خلال مداهمته للحواجز العسكرية للأمن العام في مدينة جبلة وريفها، واحتلاله للكلية البحرية، الامر الذي أدى لمقتل ما يقارب 120 عنصرا من الامن.
سلطة دمشق التي يقودها أحمد الشرع، دعت للتعبئة العسكرية ضد هذا التمرد المسلح، ودعت قادة هذا التمرد باسم “فلول النظام”، اللافت للنظر أن هذه التعبئة لم تكن من الفصائل الجهادية الإسلامية وحسب، بل تمت من عموم الجوامع، ففي شهر رمضان عند الطائفة المسلمة، يعد الاستشهاد بالمعارك فرصة للدخول للجنة، هذا الامر دفع المئات من الشبان للتطوع في حرب أخذت طابعا دينيا ثأريا، حيث تنظر الطائفة السنية “وهي الغالبية السكانية” على انها مستضعفة طيلة حكم الأسد الأب والابن، لذا كانت فرصة الهجوم على “فلول النظام” فرصة للانتقام من عموم العلويين، هذا الأمر أدى لمجازر بشعة جدا طالت النساء والأطفال والشيوخ، ففي قرية صنوبر جبلة، طلب من عموم الرجال الخروج، وتم قتلهم جميعا، وتنوعت عمليات القتل في هذا اليوم حتى وصل عدد القتلى حسب مركز التنمية البيئة والاجتماعية إلى 916 ضحية من المدنيين العلويين، وبالتأكيد هذا الرقم قابل للزيادة، بسبب عدم القدرة للوصول لكل القرى، كما ان بعض القرى باتت خالية من سكانها الهاربين نحو البراري، وبكل الأحوال هذا الرقم موزع على القرى التالية
(قرية الشير: 63، منطقة الدعتور: 68، قرية الشامية: 7، قرية الحطانية “ريف القدموس”: 14، قرية الرصافة “مصياف”: 40، قرية الحكيم: 70، صنوبر جبلة: 207، قرية عين العروس: 44، قرية الهنادي: 4، قرية المختارية: 137، قرية التويم: 33، قرية بستان الباشا: 12، مدينة بانياس: 128، الرويمية: 2، دير ماما: 3، شبلو: 3، كرم معصرى: 2، بيت جبرو: 1، المزيرعة: 2، حريصون: 24، ابرابشبو: 43، دغريون: 3، الزوبار: 6)المرصد السوري لحقوق الانسان، حدد عدد القتلى 1093 ضحية، جراء 44 اعتداء على القرى العلوية.
طبعا آلية القتل كانت همجية وفوضوية، فهي لم تقتصر على العلويين فقط، بل طالت ثلاث شخصيات مسيحية احداها كان “جهاد انطانيوس بشارة” في بانياس، والذي داهم منزله مقاتلين من أوزبكستان، وعندما عرفوا انه مسيحي أخلوا سبيله، ولكنهم حاولوا سرقة سيارة ابنه، وعندما خرج للشارع لمنعهم جاءته طلقة طائشة وقتل. أيضا قتل كل من ” أنطوان قوعد بطرس، وابنه فادي أنطوان بطرس” على طريق القصب-اللاذقية، واللافت للنظر أن كنيهما معروفة لاي سوري بانها كنية مسيحية، ولكن تم قتلهما لأن هويتهما الشخصية فيها عبارة “ولادة القرداحة: وهي قرية الرئيس الأسبق حافظ الأسد ذات الغالبية العلوية”، مما يرجح أن من قتلهم مجاهدين أجانب موالين لأحمد الشرع.
هذه الأمثلة تدلل على فوضوية الهجوم، حيث شارك الشبان المسلمون مع الجهاديين الأجانب في المعارك، وبدت قوات الامن الموالية لأحمد الشرع عاجزة عن استيعاب الحدث، فهي من زاوية بحاجة لمساعدة هؤلاء الجهادين، ومن زاوية ثانية هي عاجزة عن ضبط هجومهم المسلح
وحتى بعد انتهاء المعارك، وطلب أحمد الشرع من المهاجمين ترك مناطق الساحل، كان خروجهم تدميري، حيث كانوا يطلقون العيارات النارية على أي منزل يمرون امامه، في رغبة للترهيب الاجتماعي للعلويين، كما نشروا عدة فيديوهات مقززة يسخرون من العلويين، عبر وصفهم بالخنازير “وهو حيوان نجس في الثقافتين الإسلامية واليهودية”. عموم هذه الاحداث بينت بالدليل القاطع، أن أحمد الشرع، ووزارة دفاعه، لا تمتلك القدرة على ضبط قواته العسكرية، فالفصائل التي أعلنت انها ستنضم لوزارة الدفاع مثل فصائل الجيش الوطني جاءت للساحل بدون تنسيق مع وزارة الدفاع، حيث لم تحمل شعار الجيش العربي السوري، بل حملت شعارات فصائلها العسكرية، فمثلا فصيل الزنكي كان مسؤولا عن الانتهاكات في قرية “حريصون”، بينما فرقة السلطان مراد كانت مسؤولة عن الانتهاكات في قرية الشير، في حين المقاتلين الجهاديين الأجانب، كانوا ينشرون فيديوهات التوعد من سياراتهم، ويصورون الحشود الكبيرة من المقاتلين، بانها انتصار للاسلام، على الكفرة العلويين
هذا الخطاب الذي بث على وسائل التواصل الاجتماعية، لاقى ترويجا اعلى من خلال غرفة عمليات تدير الحرب الالكترونية لقوات العميد “غسان سليمان دلا”، حيث بثت هذه الغرفة سيلا من الفيديوهات المفبركة، لهدف شدّ العصبية الدينية عند الطائفة العلوية، وطالبت هذه الغرفة من العلويين مناشدة دول العالم لطلب الحماية الدولية، كما طلب من العلويين التوجه الى قاعدة حميميم الروسية، لغرض طلب التدخل الروسي، ومن خلال تقصينا حول تلك الفيديوهات وجدنا ان بعضها قد صور في لبنان، والأخر في العراق.
بالتأكيد هذه الفيديوهات لا تلغي الجريمة البشعة بحق العلويين، ولكنها تبين أن العميد “غسان سليمان دلا” وفريقه لم يتوقعوا هذا الهجوم الكبير من السنة، وكانوا يتوقعون انتهاكات بسيطة، لذا جهزوا مجموعة من الفيديوهات لهدف تضخيم الحدث دوليا، مما يسمح لهم بفرض هيمنتهم على عموم الساحل السوري
خطة العميد “غسان سليمان دلا” فشلت، ولكنها أعطت نتائج فاجأت الإيرانيين الذين يدعمونه، حيث تبين لنا أن ” المجلس العسكري لتحرير سوريا” يضم الى جانب العميد “غسان سليمان دلا”، كل من “محمد محرز جابر” القائد السابق لقوات “صقور الصحراء”، و “ياسر رمضان الحجل” القائد الميداني السابق في قوات الفرقة 25 التي يقودها سهيل الحسن.
والمعروف عن العميد غسان دلا، أنه قائد اللواء 42 المعروف بـ “قوات الغيث” في الجيش السوري السابق، من أبرز القادة العسكريين في الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد. وعلى الأرجح أن غرفة العمليات لهذه المعركة هي في منطقة موالية لحزب الله داخل الأراضي اللبنانية، ولكن مناصري أحمد الشرع، وخاصة الموالين لتركيا رجحوا أن قيادة العمليات هي في مناطق شمالي شرقي سوريا، وأن قوات قسد هي التي من مولت هذه العملية بالتعاون مع طهران، وبدأ الحديث عن ضرورة استغلال الحشد الشعبي الكبير من السنة العرب، لضرورة توجيهه عسكريا نحو مناطق الاكراد
الا ان هذه الاشاعة مالبث وأن انهارت بعد توقيع كل من مظلوم عبدي وأحمد الشرع اتفاق يتضمن أحد بنوده “دعم الدولة في مكافحتها لفلول الأسد، وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها”. مما أكد أن غرفة العمليات ليست في شمال شرقي سوريا، لذا المكان الأمثل لها هو في لبنان، أو في مناطق الحشد الشعبي العراقي
