قرار مجلس النواب الأميركي لمشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 (NDAA) يوم 10 أيلول/سبتمبر 2025 يفتح نافذة على اتجاهات جديدة في السياسة الدفاعية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. الأرقام المخصَّصة لسوريا والعراق ولبنان، وتغيّر حجم التمويل مقارنة بالسنوات السابقة، تكشف عن مقاربة أميركية متجددة: تقليص التمويل الكثيف السابق، مع المحافظة على قنوات الدعم الأساسية، خصوصاً لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مقابل اختبار جدية النظام السوري وإمكانية إعادة هيكلة قواته لتصبح شريكاً “موثوقاً” في مواجهة داعش.
التمويل: انخفاض ملحوظ وتحوّل في الأولويات
- العراق: انخفض التمويل من نحو 380 مليون دولار عام 2025 إلى 212 مليون دولار عام 2026، وهو تراجع يفوق النصف. هذا يعكس قناعة متنامية في واشنطن بأن القوات العراقية أكثر قدرة على تحمّل مسؤولية مكافحة الإرهاب بنفسها، أو أن التهديد المباشر من داعش قد تراجع في العراق مقارنةً بسوريا.
- سوريا: التمويل تراجع بشكل معتدل من نحو 148 مليون دولار في 2025 إلى 130 مليوناً في 2026. استمرار الدعم بهذا الحجم يدل على أن الولايات المتحدة ترى في سوريا بؤرة الخطر الأكبر، وأن قسد ما زالت شريكها الأبرز والأكثر موثوقية على الأرض.
- لبنان: إدخال مبلغ 15 مليون دولار في جداول 2026 يمثل إشارة إلى إدراك واشنطن لمخاطر التسلل عبر الحدود اللبنانية – السورية، وربط لبنان بالمنظومة الأوسع لمكافحة داعش.

الالتزام بقوات سوريا الديمقراطية
منذ 2014، مثّلت قوات سوريا الديمقراطية رأس الحربة للولايات المتحدة في الحرب ضد داعش. ورغم ضغوط تركيا ومعارضة دمشق، فإن إدراج بند تمديد المساعدة لـ “مجموعات سورية موثوقة” في NDAA 2026 يكرّس التزاماً أميركياً بالاستمرار في دعم قسد.
واشنطن ترى أن هذه القوات، رغم محدوديتها السياسية، أثبتت قدرة عملياتية عالية ضد خلايا التنظيم، وأن الاستثمار في تدريبها وتجهيزها أكثر جدوى من بناء قوات جديدة من الصفر.
نحو قوات سورية “موثوقة” أوسع
التحول اللافت هو أن لغة القانون لا تقتصر على قسد فحسب، بل تشير إلى إمكانية التعامل مع “قوات سورية موثوقة ومدققة”. هذا يعكس رغبة البنتاغون في أن يتأهل جزء من قوات دمشق النظامية لتصبح شريكاً يمكن الوثوق به.
المعادلة هنا واضحة:
- إذا تمكّن النظام أو أجزاء من مؤسساته العسكرية من الالتزام بضوابط مكافحة الإرهاب بعيداً عن النفوذ الإيراني والميليشيات، فإن واشنطن ستكون أكثر استعداداً لتوسيع قنوات الدعم.
- بذلك، تُبقي الولايات المتحدة الباب مفتوحاً أمام تغيير قواعد اللعبة في سوريا، بحيث لا تبقى قسد الطرف الوحيد المعتمد عليه.
دلالات التراجع في العراق
تراجع التمويل للعراق يعكس تحول الاهتمام الأميركي:
- تقليص الانخراط المباشر لصالح دعم محدود ومركّز.
- توجيه رسالة لبغداد بأن واشنطن تتوقع اعتماداً ذاتياً أكبر، في ظل ما تعتبره البنتاغون تطوراً في قدرات الجيش العراقي.
- إعادة توزيع الموارد نحو أولويات أخرى، سواء في سوريا أو في ساحات دولية كأوكرانيا والبحر الهادئ.
الرسالة إلى تركيا
ورغم أن النص النهائي للقانون لم يتضمن بنوداً صريحة حول “مراقبة أنشطة تركيا”، فإن سياق النقاشات في الكونغرس يوضح قلقاً أميركياً مستمراً من سياسات أنقرة في الشمال السوري. الاستمرار في دعم قسد يتعارض مع مطالب تركيا، ويؤكد أن واشنطن لا تزال تضع مكافحة داعش فوق أي اعتبار سياسي مع أنقرة.
تُظهر موازنة الدفاع الأميركية لعام 2026 ملامح استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط:
- الالتزام بقسد كقوة موثوقة في محاربة داعش.
- فتح الباب أمام قوات دمشق لتصبح شريكاً محتملاً إذا تمكنت من كسب صفة “الموثوقية”.
- تقليص التمويل للعراق بما يعكس توقعاً أميركياً بزيادة اعتماده على نفسه.
- إدخال لبنان في معادلة التمويل لأول مرة عبر CTEF، كجزء من هندسة أمنية إقليمية أوسع.
هذه المؤشرات تدل على أن واشنطن لم تنسحب من الشرق الأوسط كما يُشاع، بل تعيد صياغة حضورها بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية: مكافحة الإرهاب، تقليل التكاليف، والحفاظ على القدرة على المناورة السياسية والعسكرية.
